حيدر حب الله

147

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

اللغوي الذي نزلت النصوص في فضائه ، وتدفّقت الأسئلة وبتنا في حيرةٍ سبّبتها لنا عُجمة الفهم . لاحظوا معي - وقد تعرّضت لذلك في محاضراتي حول تاريخ علم أصول الفقه قبل عشرة سنوات - كيف أنّ علم أصول الفقه ولد من رحم علم الكلام ، لا من رحم علم الحديث والفقه ، خلافاً لما كان يقوله أمثال السيد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر رضوان الله عليه ، وقد برهنتُ على ذلك تاريخياً في تلك المحاضرات المتواضعة . ولأنّ المتكلّمين هم الذين اشتبكوا مع الفلاسفة في المراحل الأولى لنفوذ الفلسفة في القرن الثاني الهجري ، فقد تأثروا تدريجيّاً بنمط ومنهج الفهم الفلسفي اليوناني من حيث لا يشعرون - رغم أنّهم كتبوا ومنذ القدم في نقد تدخّل العقل اليوناني في فهم الدين - ثم نقلوه إلى علم الاجتهاد الشرعي عبر أصول الفقه ، ولهذا جاء الإمام الشافعي رحمه الله ليؤلّف كتاب ( الرسالة ) في أصول الفقه بهدف تصحيح طريقة فهم النصوص العربية ، كما يقول هو نفسه . فالعجمة كانت قد هيمنت على فهمنا للنصوص ، ولله درّه من قائل قال الحقّ . لكنّ المؤسف أنّ علم الأصول - شيعياً وسنيّاً - سرعان ما انجرّ إلى عكس السبب الذي وُلد لأجله ، فصار هو أيضاً يفكّر بطريقة العقل اليوناني الصارمة الهندسيّة ، وصرنا اليوم نشهد - شيعيّاً - دعوات لتخفيف الفلسفة من الأصول ، كما شهدنا هذه الدعوات عند أهل السنّة منذ بضعة قرون ، ولهذا أطاحوا عمليّاً بالكثير من تلك البحوث الأصوليّة المعقّدة وصارت عندهم جزءاً من التاريخ . حسناً ، ستقول لي : لم نفهم شيخنا ! فهل تريدون حذف علم المنطق والفلسفة ؟ وهل هذه العلوم من وجهة نظركم باطلة ؟